الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
321
شرح ديوان ابن الفارض
إلى أن رؤيته له بالذات مما تتعسر أو تتعذر فطلب أن يرى بتلك المقلة المجهولة من رأى المخاطب . وقوله « أبق » بهمزة القطع من أبقى يبقي من باب الأفعال وكأنه رضي اللّه عنه رأى إبقاء الهمزة على أصلها أولى من إدخال جزاء الشرط مع وصل ما حقّه القطع ، وعندي أن الفاء للوصل مع همزة الوصل أولى من حذف فائه وتبديل الهمزة لأن ذلك أقرب إلى غرضه وما كتبنا عليه أنسب بمقام الشكاية فتدبّر . ( ن ) : الخطاب للمحبوب الحقيقي والفناء في الحق تعالى يقتضي ظهور بقائه وانكشاف دوامه وثبوته لعبده الفاني فيه ولا يلزم من الفناء الحاصل للعبد السالك أن يكون عدما صرفا وإنما يكون معدوما مقدّرا بتقدير اللّه تعالى في الأزل ، ولم يذهب عنه إلا دعوى الوجود مع الحق تعالى فإن الوجود الظاهر عليه وعلى جميع المخلوقات إنما هو الوجود الواحد الحقّ القديم . وقوله وحمت : يقال حميت المكان من الناس حميا من باب رمى ، وحمية بالكسر منعته عنهم . وقوله سنّة : بضم السين وتشديد النون فاعل حمت . والسّنّة الطريقة والسّيرة حميدة كانت أو ذميمة ، الجمع سنن بالضم . وقوله سنّة بكسر السين وفتح النون المخفّفة مفعول حمت ، والسنة والوسن : الغفلة والنعاس وأول النوم . وقوله الغمض : أي النوم . وقوله جفوني : مفعول ثان لحمي . وقوله وحرمت : معطوف على حمت وفاعله ضمير يعود إلى سنّة الهوى . وقوله لقياكا : مفعول حرمت . والمعنى : أن مقتضيات المحبة والهوى توجب اشتغال القلب عن المحبوب وورد عن مجنون ليلى أنها جاءته فقالت له : أنا ليلى . فقال لها : عنّي إليك فإن حبّك شغلني عنك . وقوله أرى من رآك : فالذي رآه تعالى هو نور محمد صلى اللّه عليه وسلم الذي هو من نور اللّه ، وقد رأى ربّه تعالى في ليلة الإسراء حتى قال تعالى : ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى ( 8 ) فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى ( 9 ) [ النجم : الآيتان 8 ، 9 ] فمن رأى نور محمد صلى اللّه عليه وسلم فقد رأى من رأى الحق تعالى . اه . أين منّي ما رمت هيهات بل أي ن لعيني بالجفن لثم ثراكا فبشيري لو جاء منك بعطف ووجودي في قبضتي قلت هاكا [ المعنى ] « أين » : استفهام للتبعيد ، أي تبعيد أن تبقى له مقلة بإبقاء الحبيب لها يرى بها من رأى ذلك الحبيب ، فلما ذكر استبعاد هذا القدر من الوصل ربما خطر في البال أن ما دون هذه المرتبة من الوفاء وهي أن تلثم عينه بجفنها ثرى ذلك الحبيب كما يلثم الفم الموضع الذي يقبّله ، فكأنه قال : إنني طلبت إبقاء مقلة أرى بها من رأى